كيف تصعدُ الأمهاتُ للقمةِ ؟

كنت أقرأ سيرة غازي القصيبي في كتابه حياة في الإدارة، الرجل الفذُّ القادر على صنع حياة تشبه طموحه، والذي أجاد تقييم كل شيء، وأجاد التنقل بخفة بين درجات الصعود المهني، وتجربة مختلف الأدوار، ومختلف أنماط الضغوط!

بقيت أتأمل سيرته فترة من الزمن، ومع كل تفصيل يصبح لدي فضول للتعرف على زوجته!

لعل فضولي يبدو غريبًا، لكن حقيقة الأمر أنني فكرت كثيرًا بكل الناجحين الذين برزت أسماؤهم، وطالت شهرتهم كل الأماكن، وباتوا أعلامًا لا تخفى على الجاهل، وتوصلت لنتيجة: لابد أن زوجاتهم مغمورات لا يعرف أحد باسمهن!

وبتُّ على قناعة أن نجاح أحد الزوجين يتوقف على تضحية الآخر بحمل المسؤولية الأسرية عنه!

وغازي القصيبي يعترف بهذا بلسانه حين قال: إن زوجته هي من تحملت العبء الأكبر في كل شيء من الناحية الأسرية.. فكانت تهتم بشؤون المنزل وتديرها، وتشرف على العاملين، وتهتم بالأبناء.. وأشار هو بأكثر من موطن لاضطراره بالتضحية بكل وقته لينهي أعماله.

تذكرت أيضًا الدكتور أمير تاج السر حين أخبرنا، في إحدى الورش التدريبية، أنه حين يبدأ بكتابة رواية، فإنه يعتزل العالم: فهو يذهب لعمله في الصباح، ويعود ويقفل عليه باب الغرفة ليكتب حتى وقت النوم، يستمر على هذه العملية ما يقارب الأسبوعين حتى ينتهي من الرواية!

قلت لزميلتي يومها: لابد أن له زوجة جبَّارة، تحمل البيت حتى لا يسقط!

فكرت مرارًا في كل الأمهات أمثالي اللاتي يرغبن ويطمحن لفرص أفضل بالحياة.. وتمنعهن مسؤولياتهن اللاتي لا يتقاسمنها مع أحد!

فكل وقت نقضيه بعيدًا عن الأبناء يخلق فينا شعور ذنب لا نكاد ننجو منه، وكلما تصرف أبناؤنا بطريقة خاطئة أو قصروا في دراستهم كان سياط الجلد الذاتي يعمل تلقائيًا بلا رحمة، فالتقصير نحمله لأنفسنا، ونجيد وضع العبء علينا جيدًا.

أمهاتٌ كثيرات أجلن دراستهن بسبب استحالة فعلها مع الأبناء، وأخريات تنازلن عن فرص عمل كبيرة؛ لأن ساعات الدوام لا تتناسب مع أوقات الأبناء، صديقات مقربات أجلن طموحاتهن اللاتي تطاردهن منذ سنوات؛ ليكبر الأبناء.

أخريات رضين بوظائف لا تتناسب مع شهاداتهن، لكنها تتناسب في ضغطها الخفيف مع أوضاعهن كأمهات ومسؤولات وربات منازل؛ ليستطعن التوفيق بين أعمالهن ومسؤولياتهن.

ولا أريد أن أكون متنازلة عن أحلامي، لكنني أعترف أنني أتأخر في تحقيقها بسبب المسؤولية التي تترتب على الأمومة، ولا أقول إن الأبناء عثرة، حاشا لهم، فهم بسمة أرادها الله لنا.

لكن ما أردت قوله هو: الأبناء مشاريع حقيقة، الاستثمار فيها لن يخسر، قد نؤجل أحلامنا زمنًا، لكننا لن ندفنها.. قد نتنازل عن هوايات، لكننا لا نكرهها، قد نفعل نصف ما نرغب به، لكننا لا ننسى كل رغباتنا، ونسعى فقط لتحقيق رغبات الأبناء!

في عمري مثلًا كان الدكتور غازي القصيبي حاصلًا على الدكتوراة، ويعمل عميدًا، أنا إلى الآن لم أحصل على الماجستير، ومنذ خمس سنوات لم تتحسن وظيفتي، قد لا أنكر أنني أبدعت بها، وأنني الآن أكثر تمرسًا، لكن في الحقيقة، وعلى واقع الأرقام، لا أزال في مكاني.

بالرغم من ذلك أؤمن جدًا أنني سأكون يومًا ما من حملة الشهادات العليا، وسأعمل حيث خططت، قد يحتاج الأمر عشر سنوات أخريات، لا بأس؛ هذا التأخير لن يضرني كثيرًا، لكنه سيأتي بالنفع على أبنائي بالتأكيد، فربما أعود للدكتوراة، وهم يحملون سنواتهم الجامعية في أولها.

يبقى السؤال كيف تصعد الأمهات للقمة؟ أجيب بكل قناعة أنهن يصعدن بمهل وإصرار، يصعدن درجة، ويسحبن أبناءهن خلفهن درجة، إن تعثر الابن قليلًا؛ تأخرت الأم قليلًا.. ستصل حتمًا، وستحقق ما تسعى إليه.. لكنها ستحتاج سنوات تثبت فيها شيئين: الأول أنها أنشأت مشروعًا بشريًا منتجًا ناجحًا، والآخر، أن المشاريع التي تمد جذورها لسنين طويلة تنتج سيقانًا كالبامبو تمامًا

لُبابة الهواري
عضو بأسرة جود
كاتبة – أخصائيّة تربويّة

مقالات ذات صلة ..

اترك تعليق