حُلْمُ المخطوطاتِ

فكرةُ أنْ ألمسَ بين يديّ مخطوطاً قديماً، بل مُوغِلاً في القِدمِ تُراودني بين الحينِ والآخر، حيث بدأتُ عندما كُنت في المرحلةِ الدراسيّة المُتوسِّطة بتعلُّقي الشديد وشغفي بعلم الآثار والتاريخ والأبنية والمخطوطاتِ، بل وحتى الأحْجَار، ولا أنسى أنني في زيارتي الأولى لأثينا أحضرت معي حَجَراً من “الأكروبوليس” (المعبد اليونانيّ الشهير).

 

تعاودني هذه الفكرةُ مؤخراً، وبالتحديد منذ أنْ كُنت أدرس الماجستير في كلية الدراساتِ الإسلاميّة بجامعة حمد بن خليفة (الفترة من ٢٠١١-٢٠١٤م)، وبالأخصّ حين طُرِحَتْ، من قِبَل رئيس قسم الفقه المُعاصِر حينذاك، فكرةُ تكوين فريقٍ بحثيٍّ للتحقيق في مخطوطاتِ السياسة الشرعيّة لسدِّ النقص في مصادر المكتبة التراثيّة المُحقَّقة والمطبوعة في ذلك المجال مع وفرَة تنتظر محبٍ شغوف يصل لخزائنها ويُقلِّب صفحاتِها بحذرٍ وتقدير.

لحُسن حظي كنتُ ضمن أفراده، وقد اشتعل حماسي عندها، وتكبَّدت أجمل رحلةٍ في البحثِ عن المخطوطاتِ بين مكة المُكرَّمة والمدينة المُنوَّرة، ودبي والمغرب وتركيا، ذكَّرتني بالرحلات العلميّة عبر التاريخ.

أخذتُ أقرأ في هذا العِلْمِ الوقور الهادئ الجميل، وَلَجتُ المكتباتِ الرقميّة، وتصفَّحت ببليوجرافيا المخطوطاتِ في هولندا وبرلين، وخلتني زرت مكتبة الإسكوريال في مدريد، حتى سَكَنَ في روعي أنّ المخطوطة التي سأقوم بتحقيقها تنتظرني هناك! هكذا تخيَّلت.. يا للشغف والعشق حين يُؤسر العقلُ والقلبُ معاً.

والآن يهزُّ أركاني الشوقُ مرةً أخرى فتأتي الفكرةُ باستحياءٍ تحاولُ أنْ تجدَ لها مُسوّغَاً في جدول انشغالاتي وقائمة أهدافي، وأتساءل وهي تمرُّ بخفةٍ وتتسلسلُ بلطفٍ: أين أضعك؟! في مهامي اليوميّة، أم أهدافي الفصليّة، أم خُططي الاستراتيجيّة؟!.. وكأني أراها تبتسمُ ساخرةً، ثمَّ تَزَمُّ شفتيها وتصمت رافعةً كتفيها: لا أدري!

لا أستطيع تجاهلها فتأتي الحيلُ دون استئذانٍ يُغذِّيها كائنُ حبِّ المخطوطاتِ الذي يسكنُ قلبي ويتسلَّم دفتها على غفلةٍ مني، يُلبس المشروعَ أرديةً متنوِّعةً، منها: أن أقوم بتحقيق مخطوطة لنيل درجةٍ علميّة، ويُثير السؤال التحفيزيّ: ألست أبتغي الحصول على درجةِ الدكتوراه؟ وتنتابني الحيرةُ في الموضوع الذي سأتناوله؟ إذنْ ليكن مخطوطةً أُخرجها للنورِ من بين ظُلمةِ الرفوف!

 

.. وَيْ كَأَنَّ الأحلامَ تتعانق تلكَ اللحظةِ، ولكنها لا تتوافق، نَعَمْ أودُّ دراسةَ الدكتوراه، وأودُّ تحقيقَ مخطوطة، والعيشَ في عَالَم المخطوطات، ولكن.. ارتباطهما معاً يُوجِدُ عنصراً آخر هو اللزوم الذي أَفرُّ منه.

عندما نحلم فنحن ننعتقُ من اللزوميّات ونحلِّق تماماً وليس دوننا إلّا السماء..

هكذا أرى نفسي في أحلامِ النوم، أطيرُ في عُلوِّ المكان الذي أكونُ فيه وقد -وهذا يحصلُ كثيراً- أجوبُ السماءَ ليلاً أو نهاراً في ارتفاعاتٍ متعدِّدة، وتضاريس مختلفة بلا قيودٍ أو حدود، يلفحُ الهواءُ وجهي، وأُغمض براحة عينيَّ.. إذن لماذا أُكبِّل حلمي بأساور من حديد ما ينبغي ولفائف حبال مما يجب أو لا يجب؟!

 

الحُلْمُ الجميلُ يبقى كذلك فقط إذا اقترنَ بالحرّيّةِ وتدثَّر بالسَّعَة، ولكنه فوراً يختنقُ بالجدولِ الزمنيّ والخُطط!! وجهة نظر واعتقاد آمنت به وأتَّبعه..

غير أني أظلُّ في حالةِ غَزَلٍ متناغِم مع وقتي وتحليقي الخاص، أنسجُ صورةَ مخطوطة أعملُ على تحقيقها بلذةٍ واستمتاع.. وستجدُ مكانَها في المكتباتِ يوماً ما بإذنِ الله..

 

نورة البلم

٧ محرم ١٤٤٢هـ

٢٦ أغسطس ٢٠٢٠

مقالات ذات صلة ..

اترك تعليق